عمر فروخ

512

تاريخ الأدب العربي

الخصام ذراعه . . . قاما يتباريان في المقال ويتساجلان في الخصال ويصف كلّ واحد منهما جلال نفسه ويذكر فضل ما اجتني من غرسه « 1 » . . . فقال القلم : ها ! اللّه أكبر ! أيّها السائل بدءا يعقل لسانك ويحيّر جنانك « 2 » وبديهة تملأ سمعك وتضيّق ذرعك « 3 » : خير الأقوال الحقّ ، وأحمد السجايا الصّدق . والأفضل من فضّله اللّه عزّ وجلّ في تنزيله ، مقسما به لرسوله ، فقال : « ن ، وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ » ؛ وقال : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ « 4 » . فجلّ من مقسم وعزّ من قسم . فما تراني وقد حللت بين جفن الإيمان وناظره ، وجلت بين قلب الإنسان وخاطره ! لقد أخذت الفضل برمّته وقدتّ الفخر بأزمّته « 5 » . فقال السيف : عدّنا من ذكر الشريعة إلى ذكر الطبيعة ، ومن وصف الملّة إلى وصف الخصلة « 6 » . لا أسرّ ولكن أعلن : قيمة كلّ امرئ ما يحسن ! إنّ عاتقا حمل نجادي لسعيد ، وإنّ عضدا بات وسمادي لسديد « 7 » . وإنّ فتى اتّخذني دليله لمهديّ ، وإنّ امرأ صيّرني رسوله لمفدّى . يشقّ منّي الدّجى بمصباح ، ويقابل كلّ باب بمفتاح .

--> ( 1 ) تساجل الرجلان : تباريا وتفاخرا . ما اجتني ( ما قطف ) من غرسه ( أشجاره ) : ما استفاده من جهوده . ( 2 ) يعقل ( يربط ) لسانك ويمنعه من الكلام ( اللّه أكبر هو البدء الذي يفعل ذلك ! ) . الجنان : القلب . ( 3 ) البديهة : الكلام الفوري بلا استعداد . يملأ سمعك ( يدهشك ) ويضيّق ذرعك ( مقدار ما بين كتفيك : صدرك ) : يجعلك تعجز عن الجواب . ( 4 ) ن . . . ( مطلع السورة 68 ، سورة القلم ) . والحرف « ن » هنا يمكن أن يكون معناه « حرف ، كلمة » ويمكن أن يكون معناه « محبرة » ( وكلا المعنيين متعلّق بالقراءة والكتابة وبفضل القلم ) . اقرأ . . . ( في مطلع السورة 96 ، سورة العلق ، أوّل سور القرآن نزولا على رسول اللّه ) . ( 5 ) بين جفن الإيمان وناظره ( في أسمى الأمكنة منه : في القرآن ) . بين قلب الإنسان وخاطره . في عقله ( وهو خير الأمكنة فيه ) . برمّته ( الرّمة قطعة الحبل يربط بها البعير ) : كلّه . وقدتّ الفخر بأزمّته ( جمع زمام : لجام ) : استأثرت به وحدي . ( 6 ) عدّنا : اجتز بنا ، لنترك . الشريعة : الدين ( الدفاع عن القلم بقول الدين فيه ) إلى الطبيعة : إلى عمل القلم ( أو السيف ) وحده . ومن الملّة ( الدين ) إلى الخصلة ( الصفة الذاتيّة ) . ( 7 ) العاتق : ما بين العنق وطرف الكتف . النجاد : حمالة السيف . العضد : ما بين المرفق إلى الكتف . بات وسادي ( أصبح مقيلا لي ، حملني ) . يقول السيف : من ملكني دافعت عنه وحميته . سديد : صائب الرأي .